أبي هلال العسكري

262

جمهرة الأمثال

والمثل للحارث بن سليل « ( 1 » الأسدىّ ، وذلك أنّه زار علقمة بن خصفة الطائىّ ، وكان شيخا كبيرا ، وكان حليفا له ، فنظر إلى ابنته الزّبّاء ، وكانت من أحسن أهل دهرها ، فأعجب بها فقال له : أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب ، ويدرك الطّالب ، ويمنح الرّاغب ، فقال له علقمة : أنت كفء كريم ، يؤخذ منك العفو ، ويقبل منك الصّفو ، فأقم ننظر في أمرك ، ثم انكفأ إلى أمّها فقال : إنّ الحارث بن سليل سيّد قومه حسبا ومنصبا وبيتا ، وقد خطب إلينا الزّباء ، فلا ينصر فنّ إلا بحاجته ، فقالت امرأته لا بنته : أىّ الرجال أحبّ إليك ؛ الكهل الجحجاح ، الواصل الميّاح ، أم الفتى الوضّاح ؟ قالت : لا ؛ بل الفتى الوضّاح ، قالت : إن الفتى يعيرك ، وإن الشّيخ يميرك ، وليس الكهل الفاضل ، الكثير النائل كالحدث السّن ، الكبير المنّ ، قالت : يا أمّتاه ، إن الفتاة تحب الفتى كحبّ الرّعاء أنيق الكلى ، قالت : أي بنيّة ، إن الفتى شديد الحجاب ، كثير العتاب ، قالت : إنّ الشيخ يبلى شبابي ، ويدنّس ثيابي ، ويشمت بي أترابى ، فلم تزل بها أمّها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوّجها الحارث على خمسين ومائة من الإبل وخادم ، وألف درهم ، فابتنى بها ، ثم رحل بها إلى قومه ، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قبّته وهي إلى جانبه ، إذ أقبل شباب من بنى أسد يعتلجون ، فتنفّست الصّعداء ، ثم أرخت عينيها بالبكاء ، فقال لها : ما يبكيك ؟ قالت : ما لي وللشّيوخ ، الناهضين كالفروخ ! فقال لها : ثكلتك أمّك ! تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها ! فذهبت مثلا ، ثم قال لها : أما وأبيك لربّ غارة شهدتها ، وسبيّة أردفتها ، وخمرة شربتها ، فالحقى بأهلك فلا حاجة لي فيك . وقال :

--> ( 1 - 1 ) ساقط من الأصل .